منتديات القرشي

منتدى اسلامي عام
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 علم النحو .. وإبداع الأداء

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صعب توصلني

avatar

المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 10/09/2009

مُساهمةموضوع: علم النحو .. وإبداع الأداء   الخميس سبتمبر 10, 2009 7:03 pm



ميّز النحويون بين مستويين للدراسة النحوية : المستوى الأول يتمثل في رصد الصواب والخطأ في الأداء ، وهو تلك العلاقات النحوية المجردة ، والمستوى الثاني يتجاوز الأول إلى ناحية الجمال والإبداع ، وهو تلك العلاقات المتنوعة بين الكلمات ثم بين الجمل[1].

وهذا ما قاله أبو سعيد السيرافي في مناظرة جرت بينه وبين متّى بن يونس : " إن معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته ، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ من ذلك، وإنْ زاغ شيء عن هذا النعت، فإنه لا يخلو أن يكون سائغاً بالاستعمال النادر، والتأويل البعيد، أو مردوداً لخروجه عن عادة القوم الجارية على فطرتهم"[2].

فالنحو يُطلق ويراد به السكنات والحركات في أواخر الكلم ، أو علاقة الألفاظ التجاورية في الكلام .

وقد عُدّ المستوى الأول للنحو مستوى سطحياً لا يرقى للكشف عن جمال اللغة وعبقريتها ، ولا سيما الكشف عن إعجاز القرآن الكريم وبراعة تراكيبه ، فاتّجه النحاة إلى المستوى الثاني ، ووُصف المستوى الأول بأن فيه تضييقاً شديداً لدائرة النحو ، فهو حصر له في جزء يسير مما ينبغي أن يتناوله ، كما يقول الأستاذ إبراهيم مصطفى ، ويرى أن التعريف الصحيح للنحو هو : " قانون تأليف الكلام ، وبيان لكل ما يجب أن تكون عليه الكلمة في الجملة ، والجملة مع الجمل ، حتى تتسق العبارة ، ويمكن أن تؤدي معناها .

وذلك أن لكل كلمة وهي منفردة معنى خاصاً تتكفل اللغة ببيانه ، وللكلمات مركبة معنى ، هو صورة لما في أنفسنا ، ولما نقصد أن نعبر عنه ونؤديه إلى الناس ، وتأليف الكلمات في كل لغة يجري على نظام خاص بها ، لا تكون العبارات مُفهِمة ولا مُصوِّرة لما يراد حتى تجري عليه ، ولا تزيغ عنه .
والقوانين التي تمثل هذا النظام وتحدده تستقر في نفوس المتكلمين وملكاتهم ، وعنها يصدر الكلام ، فإذا كُشفت ووُضعت ودُونت ، فهي علم النحو"[3].

وقد لخص الشيخ عبد القاهر العلاقات التي بين الكلم ، والتي تمثل قانون تأليف الكلام ، فقال : " معلوم أن ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض ، وجعل بعضها بسبب من بعض .
والكلم ثلاث : اسم ، وفعل ، وحرف ، وللتعليق فيما بينها طرق معلومة ، وهو لا يعدو ثلاثة أقسام : تعلق اسم باسم ، وتعلق اسم بفعل ، وتعلق حرف بهما .

فالاسم يتعلق بالاسم بأن يكون خبراً عنه ، أو حالاً منه ، أو تابعاً له صفة أو تأكيداً، أو عطف بيان ، أو بدلاً ، أو عطفاً بحرف ، أو بأن يكون الأول مُضافاً إلى الثاني ، أو بأن يكون الأول يعمل في الثاني عمل الفعل ، ويكون الثاني في حكم الفاعل له أو المفعول . . . وأما تعلّق الاسم بالفعل ، فبأن يكون فاعلاً له ، أو مفعولاً ، فيكون مصدراً قد انتصب به ، أو مفعولاً به ، . . . وأما تعلق الحرف بهما ، فعلى ثلاثة أضرب : أحدها : أن يتوسط بين الفعل والاسم، فيكون ذلك في حروف الجر ،

والضرب الثاني : العطف ، وهو أن يدخل الثاني في عمل العامل في الأول ، والضرب الثالث : تعلّقٌ بمجموع الجملة ، كتعلق حرف النفي والاستفهام والشرط والجزاء بما يدخل عليه .

ومختصر كل الأمر أنه لا يكون كلامٌ من جزء واحد ، وأنه لا بد من مسند ومسند إليه ، . . .
فهذه هي الطرق والوجوه في تعلق الكلم بعضها ببعض ، وهي كما تراها معاني النحو وأحكامه"[4].

والأشكال التعبيرية التي يمكن أن تتشكل من هذه العلاقات التركيبية لا نهاية لها ، مما يفتح المجال للإبداع في صيغ الأداء .

والنحو بهذا المعنى الواسع الشامل تظهر به مزية الكلام وفضيلته ؛ وذلك لأن الوجوه التي تظهر بها مزية الكلام يجب أن يكون الطريقُ إليها الفكرَ والنظر ، والإعراب بمعنى معرفة أحوال أواخر الكلمات لا يحتاج إلى رويّة وفكر ، " ومن ههنا لم يجز إذا عُدّ الوجوه التي تظهر بها المزية أن يُعدّ فيها الإعراب ؛ وذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم، وليس هو مما يُستنبط بالفِكَر، ويستعان عليه بالرويّة، فليس أحدهم بأن إعراب الفاعل الرفع، أو المفعول النصب، والمضاف إليه الجرّ، بأعلم من غيره، ولا ذاك مما يحتاجون فيه إلى حدّة ذهن وقوّة خاطر، إنما الذي تقع الحاجة فيه إلى ذلك، العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز، كقوله تعالى: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم) [البقرة:16] . . . وأشباه ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلاً على تأويل يدقّ، ومن طريق تَلْطُف، وليس يكون هذا علماً بالإعراب، ولكن بالوصف الموجب للإعراب"[5]، والعلم بالوصف الموجب للإعراب يلزمه معرفة بمعاني النحو وأحكامه.

فليست المزية تُنسب للسلامة من اللحن، وإنما تُنسب لما دقّ ولَطُف من التراكيب، وليس الجمال في قول الشاعر :


سالت عليه شعابُ الحيِّ حين دعا===أنصارَه بوجوهٍ كالدنانيرِ [6]


يرجع لمراعاة القواعد النحوية المجردة، وإنما لطريقة تأليفه، " فإنك ترى هذه الاستعارة على لُطفها وغرابتها، إنما تمّ لها الحسن وانتهى إلى حيث انتهى، بما توخّى في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد مَلُحت ولَطُفت بمعاونة ذلك ومؤازرته لها، وإنْ شككت فاعمد إلى الجارّين والظرف، فأزل كلاً منهما عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه، فقل : (سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره)، ثم انظر كيف يكون الحال وكيف يذهب الحسن والحلاوة ؟ وكيف تُعدم أريحيتك التي كانت ؟ وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها ؟ "[7].

يتبع ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ينظر : محمد عبد المطلب ، البلاغة والأسلوبية ، ص(38 ، 39).
[2] أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، (121:1).
[3] إبراهيم مصطفى، إحياء النحو ، ص(1).
[4] الجرجاني، الدلائل، ص(6-Cool.
[5] المرجع السابق، ص(395-396).
[6] البيت لسبيع بن الخطيم التيمي، يقوله لزيد الفوارس الضبي، ويُنسب أيضاً لمحرز بن المكعبر، ولدجاجة ابن عبد قيس ، ينظر : الوحشيات ، تحقيق : محمود شاكر ، رقم :451 ، ص(269) .
وأراد الشاعر : أن الممدوح مطاع في الحيّ، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لحرب أو نازل خَطْبِ، إلا أتوه وكثروا عليه، وازدحموا حواليه، حتى تجدَهم كالسيول تجيء من ههنا وههنا، وتنصبّ من هذا المسيل وذاك، حتى يغصّ بها الوادي ويطفح منها . الجرجاني، الدلائل ، ص(75).
[7] الجرجاني، الدلائل ، ص(99).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
علم النحو .. وإبداع الأداء
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات القرشي :: قسم اللغة العربية :: علم النحو وأصوله-
انتقل الى: